علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

96

الصداقة والصديق

تلقاه قوم من بغداد إلى زبالة « 1 » وإلى ما فوقها ودونها ، فلما قرّت به الدار بمدينة السلام أتاه قوم لم يجشّموا لقيّه « 2 » ، فقال : كم من إنسان قعد لم يرم مجلسه حتى وافيناه فكان ألوط « 3 » بقلوبنا ، وأسكن في أسرارنا من قوم جشّموا المسير إلى زبالة ، إلّا أن المودّة هي الأصل ، والصداقة هي الرّكن ، والثقة هي الأساس ، وما عدا ذلك فمحمول عليه ، ومردود إليه . [ قصة للمأمون ] قال يحيى بن أكثم : كنت أرى شيخا يدخل على المأمون في السنة مرة ، وكان يخلو به خلوة طويلة ثم ينصرف فلا نسمع له خبرا ، ولا نرى « 4 » له أثرا ، لا نقدم على المسألة عنه [ فلما كان بعد « 5 » ] قال لنا المأمون : وا أسفا على فقد صديق مسكون إليه ، موثوق به ، يلقى إليه العجر والبجر « 6 » ، ويقتبس منه الفوائد والغرر ، قلنا وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال : أما كنت ترى شيخا يأتينا في الفرط « 7 » ، ونخلو به من دون الناس ؟ قلت : بلى ، قال : [ فإنه ] قد تأخر عن إبّانه ، وأظن أنه قد قضى ، قلت : اللّه يمدّ في عمر أمير المؤمنين ، وما في ذاك ؟ قال : كان صديقي بخراسان ، وكنت

--> - ذكرها ابن النديم في الفهرست ص 186 . وقد ورد ذكر علي بن عيسى في المقابسات ص 147 ، وفي الإمتاع 1 / 32 ، 68 . ( 1 ) ج ق م - زيالة . زبالة : منزل معروف بطريق مكة من الكوفة . ( معجم البلدان 3 / 373 ) . ( 2 ) ج ق - لقاءه . لقيه لقيّا : استقبله ، وقيل : صادفه ورآه . ( 3 ) ألوط : أعلق . ( 4 ) ج ق - نرعى . ( 5 ) ج ق - فلما توفي . ( 6 ) العجر : مفردها عجرة وهي العقدة في الخيط والعصا وعروق البدن ونحوها يقال : « ذكر عجره وبجره ، أي عيوبه أو أحزانه . والبجر : مفردها بجرة وهي السرّة » ، والوجه ، والعيب . ( 7 ) الفرط : الحين ، تقول : آتيك بعد فرط أي بعد حين ، ولقيته في الفرط بعد الفرط أي في الحين بعد الحين .